الشيخ محمد رشيد رضا
133
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عرش الملك . والمعروشات معروفة عند العامة والخاصة يقال عرش دوالي العنب عرشا وعروشا وعرشها تعريشا إذا رفعها على العريش . ويقال عرشت الدوالي تعرش ( بكسر الراء ) إذا ارتفعت بنفسها . وعن ابن عباس أن المعروشات ما يعرش من الكرم وغيره وغير المعروشات ما لا يعرش منها . وفي رواية عنه أن الأول ما عرش الناس أي في الأرياف والعمران والثاني ما خرج في الجبال والبرية من الثمرات . والمعهود أن الكرم منه ما يعرش ومنه ما يترك منبسطا على الأرض وكله من جنس المعروشات التي أودع اللّه فيها خاصية التسلق والاستمساك بما تتسلق عليه من عريش مصنوع أو شجر أو جدار ونحوه فالمتبادر من صيغة الجمع في القسمين أن المراد بالأول أنواع المعروشات بالقوة كالكرم وإن لم يوجد ما تعرش عليه بالفعل ، وبالثاني غير المعروشات من سائر أنواع الشجر الذي يستوى على سوقه ولا يتسلق على غيره ، وخصهما بعضهم بالكرم ، وعلى هذا يكون عطف النخل عليه ونه به لأنه قسيمه في كون ثمرهما من أصول الأقوات وينه فيما سيأتي بيانه من الفوائد والشبه . وأما على القول بأن النخل من قسم الجنات غير المعروشات فيكون ذكره تخصيصا له من أفراد العام لما فيه من المنافع الكثيرة ولا سيما للعرب فان بسره ورطبه فاكهة وغذاء ، وتمره من أفضل الأقوات التي تدخر ، وأيسرها تناولا في السفر والحضر ليس فيه مؤنة ولا يحتاج إلى طبخ ولا معالجة ، ونواه علف للرواحل ، ولهم منه شراب حلال لذيذ إذا نبذ في الماء زمنا قليلا - وهو النبيذ أي النقوع - وكان أكثر خمرهم منه ومن بسره ( ولا منة في الرجس ) دع ما في جريد النخل وليفه من المنافع والفوائد فهو بمجموع هذه المزايا يفضل الكرم الذي هو أب الشجر منه وأشبهه به شكلا ولونا في عنبه وزبيبه ومنافعه تفكها وتغذيا وتحليا وشربا . ثم عطف عليه الزرع وهو النبات الذي يكون بحرث الناس وهو عام لكل ما يزرع على القول بالعموم فيما قبله . وأما على القول بتخصيص الجنات بالكرم فينبغي أن يخص بما يأتي منه القوت كالقمح والشعير ويكون ترتيب المعطوفات على طريقة الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الاعلى والأعم فان الحبوب هي التي عليها معول أكثر البشر في أقواتهم وهذا عكس الترتيب في قوله تعالى ( 6 : 98 وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ